موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الأسير الفلسطيني.. بين المعاناة وروح التحدي !

الأسلام اليوم 17/04/2005
يعيش ثمانية آلاف فلسطيني، بينهم المئات من الأطفال والنساء أوضاعاً مأساوية في حوالي ثلاثين سجناً من سجون الاحتلال. فرغم أن الفصائل الفلسطينية اشترطت الإفراج عن هؤلاء الأسرى مقابل التزامها بالتهدئة ووقف عمليات المقاومة، إلا أن حكومة الاحتلال تبدو أبعد ما تكون عن الاستعداد لإغلاق هذا الملف الذي يهم كل فلسطيني.ليس هذا فحسب، بل إن سلطات الاحتلال صعدت من قمعها للأسرى والأسيرات بشكل فاق كل التصورات. فالشهادات المشفوعة بالقسم التي يقدمها الأسرى الفلسطينيون لممثلي المنظمات الحقوقية والإنسانية الذين يتفقدون أوضاعهم تعكس بما لا يقبل الشك حجم المعاناة التي يكابدها هؤلاء خلف القضبان الصماء لسجون الاحتلال.

أساليب التعذيب الجسدي والنفسي

منذ اندلاع انتفاضة الأقصى قامت سلطات الاحتلال باعتقال أربعين ألف مواطن فلسطيني بقي منهم في السجون ثمانية آلاف أسير. ومن أجل كسر معنويات الأسرى ودفعهم للاعتراف بما يوجه إليهم من تهم، فإن جنود الاحتلال يقومون بممارسة التعذيب بحق الأسرى بمجرد أن يتم إلقاء القبض عليهم، وفي كثير من الأحيان يتم الاعتداء عليهم بالضرب المبرح أمام أفراد أسرهم. وفي أقبية التحقيق التي يطلق عليها الأسرى الفلسطينيون " المسالخ " لهول ما يلاقونه فيها من أذى، يواظب محققو المخابرات الصهيونية على ممارسة صنوف شتى من التعذيب الجسدي والنفسي. فبالنسبة للتعذيب الجسدي يتم استخدام الضرب المبرح والهز الشديد، وتعليق الأسرى في أسقف غرف التحقيق كما تعلق الشاه عند سلخها، إلى جانب استخدام أجهزة الصعق الكهربائي، حيث أكد العشرات من الأسرى أن قوات الاحتلال شرعت في استخدامها مؤخراً وبكثافة، إلى جانب إطلاق الكلاب الضارية على الأسرى أثناء التحقيق من اجل تحطيم معنوياتهم وتعجيل انهيارهم. أما بالنسبة للتعذيب النفسي، فيلجأ المحققون الصهاينة إلى عزل الأسير لفترة طويلة في زنازين انفرادية وفي ظروف بالغة القسوة، إلى جانب استخدام ممارسات غير أخلاقية مثل التحرش الجنسي والتهديد بالاغتصاب، والتطاول على الدين الإسلامي وسب نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام، إلى جانب اعتقال زوجات الأسرى من أجل ابتزازهم لإجبارهم على تقديم الاعترافات. لكن ليس كل الأسرى الذين يلقى القبض عليهم يصلون للسجون، فهناك مائة وخمسين أسيرا فلسطينيا قامت سلطات الاحتلال بإعدامهم فوراً بعد إلقاء القبض عليهم. وهناك أسرى بعد أن يستوفوا فترة محكوميتهم في السجن يتم ببعادهم إلى مناطق أخرى، كما حدث مع عشرين من الأسرى الفلسطينيين من سكان الضفة الغربية الذين تم إبعادهم إلى قطاع غزة. وفي حال فشلت المخابرات الصهيونية في دفع الأسير للاعتراف بعد ممارسة كل هذه الصنوف من التعذيب، فإنه يتم تحويله للاعتقال الإداري بدون محاكمة. ومنذ اندلاع انتفاضة الأقصى تم تحويل ثلاثة آلاف سجين فلسطيني للاعتقال الإداري، بقي منهم ثمانمائة أسير.

إهمال طبي، وعقوبات جماعية

حسب إحصائيات المنظمات الحقوقية التي تعنى بملف الأسرى، فأن هناك 950 أسيرا يعانون من أمراض مزمنة وخطيرة، وهؤلاء يتعرضون للموت البطيء. والأمراض التي تنتشر بين الأسرى : أمراض القلب والسرطان والفشل الكلوي والمفاصل والسكري، ناهيك عن الأسرى الذين يعانون من إعاقات، أو مصابين بالشلل، فضلاً عن الأمراض الجلدية والنفسية. وعلى الرغم من خطورة هذه الأمراض، فإن أكثر ما يقدمه السجانون للأسرى المرضى هو أقراص " الأكامول " التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
الإهمال الطبي هو جزء من السياسة العامة المتبعة مع الأسرى. اللافت للنظر أنه في بعض الأحيان فإن الأطباء الصهاينة الذين يشرفون على أوضاع الأسرى الصحية عادة ما يحاولون ابتزاز الأسرى، حيث يخبرونهم أنه بالإمكان الحصول على العلاج المناسب لهم في حال وافقوا على التعاون مع مخابرات السجن والتجسس على إخوانهم من الأسرى. إلى جانب كل ذلك فإن الأسرى يفتقدون أدنى المقومات التي تسمح بالحياة داخل السجون. فإدارة سجون الاحتلال تعكف على تقديم الغذاء الفاسد لهؤلاء الأسرى، مع العلم أن الذين يقومون بإعداد هذا الطعام هم معتقلون يهود اعتقلوا على خلفيات إجرامية مثل تعاطي المخدرات، وهؤلاء لا يراعون أدنى مستويات النظافة بطبعهم. ولا تسمح إدارة السجون بإدخال المواد الغذائية أو مواد التنظيف. ولا تنتهي الأمور عن هذا الحد، بل إن إدارة سجون الاحتلال تتعمد إذلال الأسرى بشكل متواصل. فمثلاً يصر السجانون على تفتيش الأسرى وهم عراة بحجة التأكد من عدم وجود ممنوعات داخل زنازين السجون، كما لا يسمح بأن يقوم الأسرى برفع أصواتهم في حضور السجانين، فضلاً عن وجوب قيام الأسرى بالوقوف عندما يقوم مدير السجن بتفقد الزنازين. وكل أسير لا يلتزم بهذه التعليمات تتم معاقبته، فإما أن يتم عزله وحيداً في زنزانة انفرادية لفترات طويلة، أو يتم فرض غرامات مالية يقوم ذووه من خارج السجن بدفعها لمصلحة السجون، وفي كثير من الأحيان تتم معاقبة الأسير بحرمان أسرته من زيارته، مع العلم أن هناك مائتي أسرة فلسطينية محرومة من زيارة أبنائها في سجون الاحتلال. وتجب الإشارة هنا إلى أنه عندما تزور الأسر أبناءها داخل السجون فإنه يسمح لها بمشاهدة الأسرى فقط من خلف حاجز زجاجي. في نفس الوقت فإن سلطات الاحتلال تواصل معاقبة عوائل الأسرى بطرق شتى. فقد قامت سلطات الاحتلال بتدمير منازل تعود لمائتي أيسير فلسطيني بعد أن تم الزج بهم في غياهب السجون.

الأطفال الأسرى : معاناة خاصة

منذ اندلاع انتفاضة الأقصى قامت سلطات الاحتلال باعتقال ثلاثة آلاف طفل فلسطيني، لايزال منهم ثلاثمائة وخمسين طفلا معتقلين في سجون الاحتلال حتى اليوم . هذا مع وجود أسرى لم يتجاوزوا الرابعة عشر من العمر،. ونحن هنا بصدد عرض الشهادة المشفوعة بالقسم التي قدمها الطفل محمد راضي عريقات المعتقل في سجون الاحتلال، لمحامي نادي الأسير الفلسطيني حسين الشيخ الذي زاره في السجن. ويقول الطفل عريقات ( 15عاماً ) إن المحققين قاموا أثناء التحقيق معه بشبحه بطريقة مقلوبة(اليدان والرأس إلى الأسفل والقدمان إلى الأعلى) لفترة طويلة من الوقت، كما تم ربط خصيتيه بحبل وشدها، ما سبب له آلاماً شديدة، فضلاً عن إطفاء السجائر على جسده من أجل إجباره على الاعتراف. وأضاف الأسير الطفل إن المحققين والجنود قاموا بضربة بشدة ومنعوه من النوم أو الحركة ومنعوه من استخدام الحمام. وحسب شهادة الطفل فقد قام المحققون بأخذه إلى منطقة في بلدة أبو ديس القريبة من القدس، وتم تصويره في أوضاع مهينة جداً. وواصل قائلاً انه عندما طلب منهم الشرب سكبوا دلواً كاملاً من الماء على رأسه دون السماح له بالشرب. أكد الطفل أن الجنود بالغوا بالتنكيل به عن طريق استخدامه كهدف يقومون برمي الجارة عليه، بحيث إن من يصيب رأسه يتم التصفيق له، الأمر الذي أدى إلى نزول الدماء على رأسه ووجهه.وأكد المحامي الشيخ انه شاهد آثار الحجارة على وجه الطفل الأسير ورأسه. وما تعرض له هذا الطفل يتعرض له بقية الأسرى الأطفال.

التحرش الجنسي بالأسيرات

منذ اندلاع انتفاضة الأقصى اعتقلت سلطات الاحتلال خمسمائة امرأة فلسطينية، لازال مائة وعشرون منهن معتقلات في سجون الاحتلال. ومعظم الأسيرات الفلسطينيات قد وجهت لهن تهم التخطيط لتنفيذ عمليات استشهادية أو تقديم مساعدة لتنفيذ هذه العمليات. وتؤكد جميع الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال أن جلادي الاحتلال يمارسون أخس واقذر الأساليب في التحقيق معهن، وعلى رأس هذه الأساليب الخسيسة التحرش الجنسي والتهديد بالاغتصاب، فضلاً عن أساليب التعذيب الجسدي والنفسي الأخرى. من الأهمية بمكان أن نشير إلى أن هناك خمسة أسيرات قد اعتقلن وهن حوامل ووضعن حملهن في السجن، وبعضهن لازلن مع أطفالهن الذين خرجوا للحياة في عتمة السجن المظلمة. كل الأسيرات الفلسطينيات اللواتي تم الإفراج عنهم مؤخراً يؤكدن أن السجانات يفرضن عليهن التفتيش العاري للبحث عما يوصف ب " الممنوعات ".

خلاصة

لا يختلف اثنان على أن السلطة الفلسطينية ارتكبت خطأً فادحاً بتجاهلها ملف الأسرى خلال المفاوضات التي اجروها مع إسرائيل في السابق. فصائل المقاومة الفلسطينية ترى أنه لا إمكانية لاجبار دولة الاحتلال على إطلاق سراح الأسرى، إلا عن طريق اختطاف جنود للاحتلال وبعد ذلك مساومة الكيان الصهيوني على إطلاق سراح أسرى الحرية والكرامة من أبناء فلسطينيين.
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر